ابن حزم

181

رسائل ابن حزم الأندلسي

التقابل هو كون شيئين في طرفين معينين يقتضي أحدهما وجود الآخر على الرتب التي ذكرنا ، فكأنه يقابل أحدهما الآخر . وأما مقابلة القنية والعدم فذلك كالبصر وعدمه الذي هو العمى ، فإن أحد هذين يدور على الآخر ولا يدور الآخر عليه ، ومعنى الدوران هو الإضافة فنقول عمى البصر ولا نقول بصر العمى . واعلم أن القنية هي التي لا تدور على العدم أي لا تضاف إليه والعدم يدور على القنية أي يضاف إليها « 1 » . والعدم ليس معنى لكنه ذهاب الشيء وبطلانه ولا يعد عادما إلا من يحتمل وجود ما هو عادم له ، ألا ترى أن الحجر لا يسمى عادما وكان هذا عندنا معنى [ 33 و ] اتبعت فيه اللغة اليونانية ، وأما اللغة العربية فكل حال لم يكن فيها شيء ما فإنه يطلق فيها اسم عدم ذلك الشيء ، وسواء كان موجودا قبل ذلك أو لم يكن . وكذلك يسمّى فيها أيضا بالعدم كل ما لم يكن ، وسواء توهم كونه أو لم يتوهم ؛ إلا أن الفرق بين الضدين وبين العدم والوجود أن كلا « 2 » الضدين لهما إنية ومعنى ذلك أنهما موجودان ، والموجود له إنية أي أنه موجود ، والعدم لا إنية له أي لا وجود له . واعلم أن السلب والإيجاب إنما يقعان في الاخبار وبذلك يكون الصدق والكذب ، وذكر الفلاسفة هاهنا شيئا سمّوه « كون الشيء في الشيء » وليس يكاد ينحصر عندنا وإن كان محصورا في الطبيعة ، فلم نر وجها للاشتغال به إذ ليس إلا من تشقيق الكلام فقط كقولهم : النوع في الجنس والجنس في النوع وما أشبه ذلك مما لا قوة فيه في إدراك الحقائق وإقامة البراهين وكيفية الاستدلال الذي هو غرضنا في هذا الكتاب . وكذلك ذكروا أيضا شيئا وسموه « بكون الشيء مع الشيء » ورتبوه على ثلاثة أقسام : أحدها كون الشيء مع الشيء في زمن واحد ، وهو المعهود في استعمال اللغة إذ كل شيئين كانا في زمان واحد فهما معا أي كل واحد منهما مع الآخر ، ورتبوا في ذلك أيضا كون المضافين أحدهما مع الآخر أي أن « 3 » مع النصف ضعفا ومع الضعف

--> ( 1 ) س : عليها . ( 2 ) س : كل . ( 3 ) أن : سقطت من س .